|
تقارير و آراء -
سياسية
|
|
كتب أ/ فهمي هويدي
|
|
الآربعاء, 03 سبتمبر 2008 06:05 |
|
ليست المفاجأة أن تحصل مصر علي تقدير «ضعيف جداً» في تقرير النزاهة والشفافية، فكلنا يعلم ذلك وأكثر منه، لكن المفاجأة أن يصدر التقرير عن لجنة يرأسها وزير التنمية الإدارية، وأن يبث علي الموقع الإلكتروني لوزارته. لم يخل الأمر من أكثر من مفارقة، إحداها أن الحكومة فيما بدا، تجاهلت التقرير واعتبرته كأن لم يكن، لسبب مفهوم هو أن المآخذ والثغرات التي سجلها تتجاوز حدود سلطتها، وهي أوثق صلة بطبيعة سلوك النظام وبنيته، بحيث إن تغييرها ـ كما في حالات نزاهة الانتخابات أو مكافحة الفساد أو منظمات المجتمع المدني أو المساءلة التشريعية ـ يقتضي تغيير النظام السياسي كله. من تلك المفارقات أيضاً أن البند الوحيد الذي حصلت فيه الحكومة علي تقرير «قوي جداً» هو بند المشتروات، منها أيضاً أن التقرير حين نشرته إحدي الصحف فإن جريدة الأهرام كانت قد نشرت مقالاً في اليوم السابق لأحد كتاب لجنة السياسات المرموقين، وجه فيه اللوم إلي الصحف المستقلة والمعارضة، لأنها لا تري في الوضع الراهن سوي سوءاته فقط، الأمر الذي يصيب الناس بالإحباط واليأس، وإذا بالتقرير يسوق بيانات تفحمه وتفضح زيف مقولته.  رغم أهمية هذه الملاحظات، فإن القدر من الشجاعة الذي مارسته لجنة النزاهة والشفافية هو أكثر ما أثار انتباهي، حتي اعتبرته مفاجأة جديرة بالتسجيل، ذلك أننا عهدنا في اللجان والتقارير التي تكون الحكومة طرفاً فيها أن تواري وتنافق في إبداء محاسن أزهي العصور، تحت القيادة الرشيدة والمتابعة الفاضلة وفي ظل الفكر الجديد، وسواء أدرك واضعو التقرير أن هذا الكلام لم يعد ينطلي علي أحد، أو أنهم قرروا أن يقدموا نموذجاً لحد أدني من النزاهة يكسبهم ثقة الرأي العام، فالشاهد أنهم «عملوها» وأقنعونا بأن هناك جهة لها صفة رسمية احترمت الحقيقة، وكان حرصها علي الوطن أكثر من حرصها علي مجاملة الحكومة، وهو ذات النموذج الذي عهدناه في تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، التي كثيراً ما أثارت استياء الحكومة وغضبها. المفاجأة ذاتها انتابتني حين فشلت ذات يوم في العثور علي رقم للهاتف ولجأت إلي «الدليل» مستفسراً عنه، فإذا بصوت نسائي يرد عليَّ بمنتهي الذوق والأدب ذاكراً اسم الموظفة أولاً ثم مستفسراً عن الطلب، وبعد الإجابة توجهت إليَّ صاحب الصوت بالشكر، مذكرة بأن الهيئة مستعدة لتقديم أي خدمات لعملائها، لأول وهلة ظننت أنني أخطأت في الرقم، فعاودت الاتصال مرة ثانية وفوجئت برجل يرد عليّ ويردد نفس الكلام، من الاسم إلي الشكر والاستعداد لتقديم الخدمة. حدث ذلك معي أيضاً حينما كنت مسافراً علي شركة مصر للطيران، ووجدت في استراحة المطار من أعطاني انطباعاً بأنه كان في انتظاري، وقادني إلي مقعدي، وكنت مازلت تحت تأثير الدهشة من نظام استقبال المسافرين علي مختلف الدرجات. ولأنني لست معتاداً علي هذه الحفاوة والسلوك المتحضر، ولي ذلك تجارب طويلة ومريرة أريد أن أنساها، فقد استغربت أيضاً معاملة الجمهور في مصلحة الجوازات التي أظن أنهم يختارون العاملين فيها بعناية خاصة، وبمواصفات تختلف عن أولئك الذي يكلفون بتعذيب البشر في عالم السجون والمعتقلات.
السؤال الذي شغلني حين تجمعت لدي هذه الملاحظات هو: لماذا نحن متخلفون ولدينا هذه النماذج المتقدمة؟ لم تكن الإجابة صعبة، أولاً: لأنني كنت مدركاً أن هذه النماذج تعد استثناءات علي الوضع العام، وثانياً: لأنها تحسب علي مبادرات واجتهادات شخصية بأكثر مما تحسب علي النظم السائدة، وثالثاً: لأن هذه النماذج ذاتها سرعان ما ترتد إلي حالة التخلف إذا انتهت إدارتها وترك الأشخاص المسئولون عنها مناصبهم.
حاولت أن أختبر صحة هذه الإجابة، فألقيت السؤال ذاته علي مسامع بعض الشخصيات العامة الذين قُدر لي أن ألتقيهم في إحدي المناسبات، وكان منهم مسئولون عن بعض أجهزة الدولة، وما أثار انتباهي أن الآراء التي أبُديت حتي من بعض المسئولين، اتفقت علي بؤس الأوضاع الراهنة، وأنها تسير من سيئ إلي أسوأ، وإذا كان منهم من عبَّر عن يأسه من إحراز أي تقدم في الوضع العام، فإن آخرين قالوا إنهم بعد أن فقدوا الأمل في اصلاح البلد، فلم يعد طموحهم يتجاوز حدود المبادرات الفردية التي يحاولون من خلالها إحياء بعض الخلايا في جسم الوطن، وهم لا يفعلون ذلك سعياً وراء الإصلاح، بقدر ما أنهم يحاولون إرضاء ضمائرهم، ورفض مسايرة الآخرين والسير في ركابهم.
ملحوظة: ذكرت أمس أن لجنة شُكلت في عام 1984 برئاسة الدكتور كمال الجنزوري ـ رئيس الوزراء ـ للتحقيق في النتائج السيئة التي حققتها البعثة المصرية في أولمبياد لوس أنجلوس، ولكن نتائج أعمالها لم تعلن إلي الآن، وقد صحح لي الدكتور الجنزوري المعلومة ونبهني إلي أن رئيس الوزراء آنذاك كان الدكتور فؤاد محيي الدين.
|
|
التحديث الاخير ( الآربعاء, 03 سبتمبر 2008 06:40 )
|